محمد بن وليد الطرطوشي
330
سراج الملوك
وكيف يقدر الأعمى على أن يهدي ، والفقير على أن يغني ، والذليل على أن يعزّ ؟ فبعدك عن تطهير غيرك من العيوب قبل تطهير نفسك ، كبعد الطبيب عن إبراء غيره من داء به مثله . وقال بعض حكماء الهند : لن يبلغ ألف رجل في إصلاح رجل واحد ، بحسن القول دون حسن الفعل ، كما يبلغ رجل واحد في إصلاح ألف رجل بحسن الفعل دون القول ، وفيه قال القائل « 1 » : يا أيّها الرجل المعلّم غيره * هلّا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء من السّقام لذي الضّنى * كيما يصحّ به وأنت سقيم ما زلت تلقح بالرّشاد عقولنا * عظة وأنت من الرّشاد عديم ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها * فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل ما تقول ويقتدى * بالرأي منك وينفع التعليم لا تنه عن خلق وتأتى مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم ولكن أقوى الأسباب في صلاحهم ، عند فوت صلاحه ، استعماله عليهم الخاصة منهم ، وذوى الأحلام « 2 » والمروآت القائمة والأذيال الطاهرة ، فمتى رأس العامة سراتهم ، فهو الطريق إلى حفظ أديانهم ، ومروآتهم ، وتماسكهم عن الانهماك في المحظورات ، وملابسة المحرمات ، وقال الشاعر : تهدي الأمور بأهل الرأي ما صلحوا * فإن تولّوا فبالأشرار تنقاد « 3 » لا تصلح الناس فوضى لا سراة لهم * ولا سراة إذا جهّالهم سادوا « 4 »
--> ( 1 ) قائل هذه الأبيات هو أبو الأسود الدؤلي ، ظالم بن عمرو بن سفيان الدؤلي ، واضع علم النحو العربي ، ويعد من الفقهاء والشعراء والأمراء والأعيان وهو من التابعين ومن أنصار علي بن أبي طالب شهد معه صفين وتوفى في البصرة سنة 69 ه ( 2 ) في ( خ ) ذوى الأحلام الراجحة . ( 3 ) سقط هذا البيت من ( ط ) . ( 4 ) قائل هذا البيت : هو الأفوه الأودي ( صلاءة بن عمرو بن مالك ) الشاعر اليماني الجاهلي ، سيد قومه وقائدهم في حروبهم ، ومن حكماء الجاهلية المشهورين في عصره توفى نحو سنة 570 م قبل الهجرة . ومعنى السراة : السادة والقادة .